الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
394
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
لأداء التكليف بالمتعلق بالطريق الذي قرره الشارع أو للاكتفاء بأداء الواقع قطعا بل يتعين الأخذ به على تقدير انسداد سبيل العلم بالطريق المقرر وانفتاح سبيل العلم بالواقع وأما إذا انسد سبيل العلم بالأمرين تعين الأخذ بالظن بالطريق دون الظن بالواقع لأداء التكليف المتعلق بالطريق بذلك وأداء الواقع به على حسب الطريق وأما الأخذ بمطلق الظن بالواقع فليس فيه أداء التكليف المتعلق بالطريق لا علما ولا ظنا وكون أدائه الواقع على سبيل القطع أداء لما هو الواقع عن طريقه قطعا لا يستلزم أن يكون الظن طريقا ظنيا إذ قد لا يكون أصلا فليس في أدائه كذلك علم بأداء ما هو الواقع ولا بأدائه على الوجه المقرر ولا ظن بأدائه على الوجه المقرر وإنما هناك ظن بأداء الواقع لا غير فلا يؤدي به التكليف المتعلق بالطريق مطلقا ويبقى الخروج عن عهده التكليف المتعلق بالشك بالطريق في محل الشك إذ لا يعلم ولا يظن أداء التكليف المتعلق بالطريق فلا علم ولا ظن بأداء الفعل على الوجه الذي قرره الشرع ولا يمكن معه حكم بالبراءة فإن قلت إنه كما قام الظن بالطريق مقام العلم به من جهة الانسداد فأي مانع من قيام الظن بالواقع مقام العلم بالواقع به حينئذ وإذا قام مقامه كان بمنزلة العلم بأداء الواقع كما أن الظن بالطريق بمنزلة العلم بأداء الواقع كما أن الظن بالطريق بمنزلة العلم به فكما يحصل البراءة بالعلم مع انفتاح سبيله يحصل أيضا بالظن مع انسداد سبيله قلت لو كان أداء التكليف المتعلق لكل من الفعل والطريق المقرر مستقلا صح ذلك لقيام الظن في كل من التكليفين مقام العلم به مع قطع النظر عن الآخر وأما إذا كان أحد التكليفين منوطا بالآخر مقيدا له فمجرد حصول الظن بأحدهما من دون حصول الظن بالآخر الذي قيد به لا يقتضي الحكم بالبراءة وحصول البراءة في صورة العلم بأداء الواقع إنما هو لحصول الأمرين به نظرا إلى أداء الواقع وكونه من الوجه المقرر لكون العلم طريقا إلى الواقع في حكم العقل والشرع فلو كان الظن بالواقع ظنا بالطريق أيضا جرى الكلام المذكور في صورة الظن أيضا لكنه ليس كذلك فلذا لا يحكم بالبراءة حسبما قلنا الثالث أن قضية بقاء التكليف وانسداد سبيل العلم به مع كون قضية العقل أولا تحصيل العلم به هو الرجوع إلى الظن قطعا على سبيل القضية المهملة وحينئذ فإن قام دليل قاطع على حجية بعض الظنون بما فيه الكفاية في استعلام الأحكام انصرف إليه تلك القضية المهملة من غير إشكال فلا يفيد حجية ما زاد عليه ولو تساوت الظنون من كل وجه قضى ذلك بحجية الجميع نظرا إلى انتفاء الترجيح في نظر العقل وعدم إمكان رفع اليد عن الجميع ولا العمل بالبعض دون البعض لبطلان الترجيح بلا مرجح فيجب الأخذ بالكل حسبما يدعيه القائل بحجية مطلق الظن وأما إذا قام الدليل الظني على حجية بعض الظنون مما فيه الكفاية دون البعض فاللازم البناء على ترجيح ذلك البعض إذ لا يصح القول بانتفاء المرجح بين الظنون بالحجية في بعض تلك الظنون دون البعض وتوضيح المقام أن الدليل الظني القائم على بعض الظنون إما أن يكون مثبتا لحجية عدة منها كافية في استنباط الأحكام من غير أن يقوم هناك دليل ظني على نفي الحجية من غيرها ولا إثباتها وإما أن يكون عدة منها من غير أن يكون مثبتا لحجية ما عداها ولا نافيا لحجيتها وإما أن يكون مثبتا لحجية عدة منها كذلك نافيا لحجية الباقي وإما أن يكون مثبتا لحجية البعض على الوجه المذكور نافيا لحجية عدة أخرى مع خلو الباقي عن الأمرين ويجب في حكم العقل الأخذ بمقتضى الظن في الجميع في مقام الترجيح وإن اختلف الحال فيها بالقوة والضعف غير أنه في القسم الثاني لا بد من الحكم بحجية غير ما قضى الظن بعدم حجيته نظرا إلى انتفاء المرّجح بينهما فإن قلت إن أقيم الدليل على حجيته للظن المطلوب فقد ثبت ما يدعيه الخصم وإن لم يقم عليه دليل فلا وجه للحكم بمقتضى الدليل الظني من البناء على الحجية أو نفيها فإنه رجوع إلى الظن واتكال عليه وإن كان في مقام الترجيح والاتكال عليه مما لا وجه له قبل قيام القاطع عليه بل نقول إن لم يكن الدليل الظني القائم في المقام من الظنون المخصوصة لم يعقل الاتكال إليه من المستدل إذ المختار عنده عدم حجيته وأن وجوده كعدمه وإن كان من الظنون المخصوصة كان الاتكال في المقام دوريا قلت ليس المقصود في المقام إثبات حجية تلك الظنون بالأدلة الظنية القائمة عليها ليكون الاتكال في الحكم بحجيتها على مجرد الظن بل المثبت لحجيتها هو الدليل العقلي المذكور والحاصل من تلك الأدلة الظنية هو ترجيح بعض تلك الظنون على البعض فيمنع ذلك من إرجاع القضية المهملة إلى الكلية بل يقتصر في مفاد المهملة المذكورة على تلك الجهة فالظن المفروض إنما يبعث على صرف مفاد الدليل المذكور إلى ذلك وعدم صرفه إلى سائر الظنون نظرا إلى حصول القوة بالنسبة إليها لانضمام الظن بحجيتها إلى الظن الحاصل منها بالواقع بخلاف غيرها حيث لا ظن بحجيتها في نفسها وإذا قطع العقل بحجية الظن بالقضية المهملة ثم وجد الحجية متساوية النسبة بالنظر إلى الجميع فلا محالة يحكم بحجية الكل حسبما مر وأما إن وجدها مختلفة وكان جملة منها أقرب إلى الحجية من الباقي نظرا إلى الظن بحجيتها مثلا دون الباقي فلا محالة يقدم المظنون على المشكوك والموهوم والمشكوك على الموهوم في مقام الحيرة والجهالة فليس الدليل الظني المفروض مثبتا لحجية تلك الظنون حتى يكون ذلك اتكالا على الظن في ثبوت مظنونه وإنما هو قاض بقوة جانب الحجية في تلك الظنون فتنصرف إليه ما قضى به الدليل المذكور من حجية الظن في الجملة فإن قلت إن صرف مفاد الدليل المذكور إلى ذلك إن كان على سبيل اليقين تمّ ما ذكر وإن كان ذلك أيضا على سبيل الظن كان ذلك أيضا اتكالا على الظن فإن النتيجة يتبع أخس المقدمات والظاهر أنه من القبيل الثاني لتقوم الظن بقيام احتمال الخلاف فإذا فرض تحقق ذلك الاحتمال كان الظن المذكور كعدمه فتساوى الظنون المفروضة بحسب الواقع ولا يتحقق ترجيح بينهما حتى ينصرف الدليل المذكور إلى الراجح منها والحاصل أنه لا قطع حينئذ بصرف الدليل المذكور إلى خصوص تلك الظنون من جهة ترجيحها على غيرها لاحتمال مخالفة الظن المفروض للواقع ومساواتها لغيرها من الظنون بحسب الواقع بل احتمال عدم حجيتها بخصوصها فلا قطع بحجيتها بالخصوص بوجه من الوجوه حتى يكون الاتكال هنا على اليقين وغاية الأمر حصول الظن بذلك فالمحذور قلت الاتكال في حجية تلك الظنون ليس على الظن الدال على حجيتها بحسب الواقع ولا على الظن بترجيح تلك الظنون على غيرها بعد إثبات حجية الظن في الجملة بل التعويل فيها على القطع بترجيح تلك الظنون على غيرها عند دوران الحجية بينها وبين غيرها وتوضيح ذلك أن قضية الدليل القاطع المذكور هو حجية الظن